وائل علي البتيري

ربما يستهجن قارئ المقالة هذا العنوان، ولكن الاستهجان الحقيقي ينبغي أن يوجَّه لمن يستسيغ نعتَ أحد أعلام المسلمين وأئمتهم الفضلاء بهذه العبارة القبيحة، بدلاً من حفظ فضله على الأمة، وشكره على الأقل بالتقدير والتبجيل، وتجنب إطلاق الأوصاف المقذعة بحقه.
ولتوضيح ما سبق؛ نشرع بالبيان:
صدر مؤخراً كتاب بعنوان "الأغاليط في المراسيم السلطانية الصادرة في حق شيخ الإسلام ابن تيمية" لمؤلفه أبي عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، ومما قاله المؤلف (ص897-898):
"فها هو الذهبي يقول عن ابن القيم - رحمهما الله تعالى - في المعجم المختص بالمحدثين (ص296): (وقد حُبس مدة وأوذي لإنكاره شد الرحال إلى قبر الخليل، والله يصلحه ويوفقه، سمع معي من جماعة، وتصدر للاشتغال ونشر العلم، لكنه معجب برأيه، سيئ العقل، جريء على الأمور، غفر الله له)".
ثم علق المؤلف مشهور حسن في الحاشية قائلاً:
"أسقط المحقق (سيئ العقل) من الأصل، ووضعها في الحاشية، وقال: (ولا يتوقع أن يقول الذهبي عن ابن قيم الجوزية إنه سيئ العقل بعد أن ذكر من صفاته ما ذكر).
قال أبو عبيدة: هي كذلك في الأصول، وهذا الاستبعاد بعيد؛ لما ورد بعده: (جريء على الأمور)؛ فهو المراد بـ(سيئ العقل)، وقد أشهر ابن القيم المنع من المسألة المومأ إليها في مجلس عام بنابلس، وكان بإمكانه السكوت، والمسألة مختلف فيها، وفيها قلاقل وبلابل، وعامة الناس لا يحتملون ذلك إلا بمقدمات وممهدات، ولا ندري! هل سلكها ابن القيم لمّا قرر المسألة أم لا؟
ويتأكد لك صحة مجمل كلام الذهبي إذا علمتَ أن ابن تيمية تأذى من حماسة ابن القيم في إشهار بعض اختياراته، ولذا قال تقي الدين الفاسي إيضاح بغية أهل البصارة في ذيل الإشارة (ص249-250): (تفقه بالشيخ تقي الدين ابن تيمية، وأخذ عنه فنوناً من العلم، وكان من جملة أصحابه، وتأذى ابن تيمية بسببه؛ لأنه أعلن عن ابن تيمية بكثير من المسائل المنتقدة عليه، وأوذي هو بسببها أيضاً) اهـ كلام المؤلف مشهور حسن.
وأثارت عجبي كثيراً "حماسة" الشيخ مشهور في إثبات هذه العبارة القبيحة "سيئ العقل" في حق العلامة ابن القيم، الذي شهد بإمامته الموافق والمخالف، ودفعني ذلك للبحث عمّن سبق مشهوراً إلى إثبات هذه العبارة من المتأخرين أو المعاصرين؛ فلم أجد سوى الشيخ حسن السقاف، حيث أشار إليها في أحد منشوراته على صفحته الشخصية في موقع "فيسبوك" عام 2018، وهو معروف بعداوته الشديدة لابن تيمية وتلميذه ابن القيم ولنهجهما السلفي، إلى درجة أنه يكفِّر ابن تيمية، ومع ذلك فلم يفعل سوى نسبة هذه العبارة للإمام الذهبي، ولم يقحم نفسه في الرد على محققي "المعجم المختص"، أو الإحالة للأصول المزعومة التي أحال عليها مشهور حسن، وهو المعروف بمنهجه السلفي، وبدفاعه عن ابن تيمية، وثنائه على ابن القيم.. فيا لله العجب!
ثم رأيت الشيخ محمد عبد الواحد الأزهري الحنبلي (وهو معروف أيضاً بعداوته للسلفيين) يحتفي بكلام مشهور حسن على قناته في التليغرام، ثم نشر منشوراً عن قريب ينسبُ فيه العبارة ذاتها "سيئ العقل" للإمام الذهبي، معقباً بالقول: "تأمل هذه الأوصاف ملياً! والذهبي مدرسة في التراجم والإنصاف، وهو يترجم لصاحب له ومن نفس مدرسته، وهو أدرى الناس به وبشيخه الإمام ابن تيمية، وليس بينهما عداوة ولا خصومة ولا اختلاف في المنهج والمشرب".
قلت: لعلّي أعقب على كلام "الحنبلي" لاحقاً، ولكن الجدير بالإشارة هنا؛ هو أن الشيخ مشهور حسن يتحمل وزرَ إشهار هذه العبارة ونسبتها للإمام الذهبي؛ لأمور:
1- أن أحداً لم يلتفت للسقاف حين أثارها؛ حتى جاء مشهور حسن لينبشها من جديد.
2- أن مشهور حسن معروف بأنه "سلفي"، وليس من المعقول أن يتقبل سلفيٌّ أن يوصف ابن القيم المعروف بسلفيته بهذا الوصف القبيح لولا أنه وصفٌ حقيقٌ به.
3- أن مشهور حسن حقق العديد من كتب ابن القيم، وأغرق في إطرائه والثناء عليه، وبالتالي من المستبعد أن يثبت هذه العبارة القبيحة بحقه قبل أن يتوثق منها مئة بالمئة.
والآن؛ لندَع الإطالة في المقدمات جانباً، ولنشرع بسرد الملاحظات على الكلام الذي نقلناه آنفاً عن مشهور حسن:
أولاً: من المستبعد جداً صحة نسبة هذه العبارة "سيئ العقل" للإمام الذهبي (ت748هـ)؛ لأمور:
الأول: للمعجم المختص طبعتان، إحداهما بتحقيق د. محمد الهيلة، من إصدار مكتبة الصديق 1988، والثانية بتحقيق د. روحية السويفي، من إصدار دار الكتب العلمية 1993. وكلاهما اعتمد في التحقيق على مصورة من مخطوطة للكتاب في المكتبة الناصرية بلكنو بالهند برقم 154، نسخها ميرزا محمد بن رستم المعتمد خان وأخواه ميرزا عبدالرحمن وميرزا محمد غياث.
يقول الدكتور الهيلة (ص: هـ): "وقد لاقيت كثيراً من الصعوبات في قراءة هذه المصورة، وذلك للأسباب التالية:
أ- أن النسخة المصورة تم تصويرها على ورق غير حساس، مما جعل الكثير من النقاط والحروف، وحتى الكلمات، تنطمس فلا تظهر جلية.
ب- أن الناسخ محدود الثقافة باللغة العربية، مما جعله يقع في أخطاء كثيرة، ويلجأ إلى تعتيم العديد من الكلمات.
ج- وجود الكثير من البياضات في النص. وكل هذه البياضات تعود إلى عدم فهم الناسخ لكلماتها التي كُتبت في الأصل المنقول منه" اهـ.
وهذه الملاحظ الهامة تدفعنا إلى التوجس من صحة ما كتبه النسّاخ، ولو عُدنا إلى المخطوط لوجدنا النص كالتالي: "عني بالحديث متونه ورجاله، وكان يشغل في الفقه ويجيد تقريره، وفي النحو ويدريه، وفي الأصلين. وقد حُبس مدة وأوذي لإنكاره شد الرحل إلى قبر الخليل، والله يُصلحه ويوفقه. سمع معي من جماعة، وتصدر للأشغال ونشر العلم، ولكنه برأيه سيئ العقل، جرى عليه أمور، غفر الله له".
فانظر إلى الأخطاء الواردة في هذا النص، وقارنها مع نقول العلماء عن معجم الذهبي، والتي سنوردها في الحلقة القادمة، ولكنني أنبّهك على ثلاثة أخطاء واضحة؛ الأول: إسقاط كلمة (معجب) قبل (برأيه)، والثاني: إضافة عبارة (سيئ العقل)، والثالث: تحريف عبارة (جريء على الأمور) لتصبح: (جرى عليه أمور)!
ويقول الدكتور الهيلة (ص: و): "وتوجد نسخة ثانية للكتاب المعجم المختص - علمتُ بوجودها بعد إتمام تحقيق النص - اعتمدها الدكتور الحافظ عبدالعليم خان محقق طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة، وذكرها في فهرس مراجعه، وهي نسخة محفوظة بمكتبة أزاد ذخيرة سبحان الله، الجامعة الإسلامية علي كره رقم 2/297/212، لم نتمكن من الحصول عليها، ولو سعينا وراءها لتأخّر ظهور الكتاب زمناً يعلمه الله" اهـ.
إذن؛ نحن لا نملك سوى هاتين المخطوطتين؛ أما الأولى فرأيتَ ما فيها من أخطاء تجعلنا نحتاط من الوثوق بها، وقد أشار ضمناً إلى ذلك د. يوسف المرعشلي في حاشية "المجمع المؤسس" لابن حجر (2/ 607)، حيث علق على نسخة المعجم المختص التي حققها الهيلة: "فيها نقص، وهو يحتاج لإعادة مقابلة على أصول أخرى لاستكمال نصوصه".
قلت: ذكر محقق طبقات الشافعية (ص45) من ضمن المخطوطات التي رجع إليها أثناء تحقيقه الكتاب "نسخة مكتبة مولانا آزاد بالجامعة الإسلامية عليكرة رقم 537-59، 15، وهي تقع في 262 ورقة، وفي كل صفحة 17 سطراً، كتبت بخط نستعليق"، وقال: "ويبدو أنها منقولة عن نسخة المكتبة الناصرية برقم 101، مليئة بالأخطاء لجهل الكاتب".
ثم أشار إلى مخطوطة أخرى (1/ 46) وقال: "يبدو أنها منقولة عن النسخة السابقة؛ فإنهما متفقتان في الأخطاء".
فقلت في نفسي: لعل هذه كتلك، أي لعل مخطوطة "آزاد" الخاصة "بالمعجم المختص" منقولة عن مخطوطة "الناصرية"، كما أن مخطوطة "آزاد" الخاصة بـ"طبقات الشافعية" منقولة عن مخطوطة "الناصرية"، ومما رجّح لدي هذا الظن أن مخطوطة الناصرية نسخت عام 1128، ومخطوطة آزاد نسخت عام 1252، وكلتاهما نُسختا في الهند.
إلا أنني تتبعت بعد ذلك نقولات ابن قاضي شهبة عن "المعجم المختص" فوجدت أن ثمة أكثر من ترجمة يعزوها المحقق إلى مخطوطة آزاد من "المعجم المختص"، وأجدها ساقطة من نسخة الناصرية، ما رجّح لديّ أن المخطوطتين مختلفتا المصدر.
وقد تواصلت مع بروفيسور يدرس في جامعة عليكرة للحصول على مخطوطة آزاد، أو على الأقل صورة عن ترجمة الذهبي لابن القيم، ولكنه لم يتجاوب مع طلبي غفر الله له.. وعلى كل حال؛ فالمخطوطتان متأخرتان جداً عن عصر الذهبي، ما يدفعنا إلى الاحتياط والتوجس من صحة نصوصهما، وعرضهما على ما نقله العلماء عن مخطوطات هي أقرب زمناً إلى الذهبي، ولا شك أن ما نقله هؤلاء العلماء أصوب وأدق من المخطوطات المتأخرة.. وسنعرض لأقوالهم في الحلقة الثانية من هذه المقالات إن شاء الله.
وتبقى عبارة "سيئ العقل" مستبعدة، فهي تبدو فجّة ومقحمة، وعلى الأرجح فإن أحد النساخ رآها في هامش ترجمة ابن القيم، فأدخلها في المتن بجهل أو غفلة، وربما تعمد.
وعليه؛ فإن قول المؤلف: "هي كذلك في الأصول" لا قيمة له إطلاقاً !
الثاني: العلماء الذين نقلوا الفقرة المشار إليها من كلام الذهبي؛ لم يذكروا فيها عبارة "سيئ العقل" رغم دواعي ذكرها لدى بعضهم، ما يدل على أنها مقحمة وغير موجودة في الأصول التي بين أيديهم.. وهم:
أ- ابن رجب الحنبلي (ت795هـ)، وهو من أقران الذهبي:
قال في ترجمته لابن القيم في "ذيل طبقات الحنابلة" (5/ 172):
"قَالَ الذهبي فِي المختص: عني بالحَدِيث ومتونه، وَبَعْض رجاله، وَكَانَ يشتغل فِي الفقه، ويجيد تقريره وتدريسه، وَفِي الأصلين، وَقَدْ حبس مدة لإِنكاره شد الرحال إِلَى قبر الْخَليل، وتصدر للأشغال، وإقراء العلم ونشره".
قلت: لم يكمل ابن رجب كلام الذهبي موضع الخلاف، ولكنني أحلت إليه كي تقف على الفروق بين النص الذي نقله ابن رجب عن "المعجم المختص"، وبين النص الوارد في مخطوطة الناصرية.
وأعيده النص الوارد في المخطوطة مرة أخرى لأسهل عليك المقارنة: "عني بالحديث متونه ورجاله، وكان يشغل في الفقه ويجيد تقريره، وفي النحو ويدريه، وفي الأصلين. وقد حُبس مدة وأوذي لإنكاره شد الرحل إلى قبر الخليل، والله يُصلحه ويوفقه. سمع معي من جماعة، وتصدر للأشغال ونشر العلم".
ومما يرجح أن ثمة فروقاً بين النسخة الأصلية من المعجم المختص للذهبي، وبين النسخة التي بين يدي ابن رجب؛ قوله مثلاً في "ذيل طبقات الحنابلة" (4/ 311) في ترجمته لأحمد بن عبدالرحمن بن عبدالمنعم النابلسي: "رَوَى عَنْهُ الذهبي فِي (معجمه)، وَقَالَ: كَانَ فقيها، مناظراً صالحاً، يتوسوس فِي الماء".
وهذه التوصيفات ليست موجودة في مخطوط المعجم المختص، ولا في معجم الشيوخ، وكلاهما للذهبي.. وإذا قارنت بين التراجم التي نقلها ابن رجب عن "المعجم المختص" وبين المخطوطة التي اعتمد عليها مشهور حسن؛ لوجدت فروقاً هائلة!
ب- ابن حجر العسقلاني (ت852هـ):
قال في ترجمته لابن القيم في "الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة" (3/ 401):
"قَالَ الذَّهَبِيّ فِي المختص: حبس مدّة لإنكاره شدّ الرحل لزيارة قبر الخليل، ثمَّ تصدر للأشغال وَنشر العلم، وَلكنه معجب بِرأيه، جريء على الأمور".
وفي المخطوطة التي اعتمد عليها مشهور حسن: "ولكنه برأيه سيئ العقل، جرى عليه أمور".
وتجدر الإشارة إلى أن ابن حجر نقل في "الدرر الكامنة" (1/ 65) ترجمة الإمام الذهبي في "المعجم المختص" لإبراهيم بن محمد بن أبي بكر، وهو ابنُ ابنِ القيم، وإذا رجعتَ إلى المخطوطة التي اعتمدها مشهور؛ لوجدتَ أن هذه الترجمة ساقطة بالكامل.
جـ- محمد بن علي الشوكاني (ت1250هـ):
قال في ترجمته لابن القيم في "البدر الطالع" (2/ 143):
"قَالَ الذهبي في المختصر (كذا): جلس مُدَّة لإنكار شدّ الرحل لزيارة قبر الخليل، ثمَّ تصدر للاشتغال وَنشر العلم، ولكنه معجب بِرأيه، جريء على أُمور".
ثم شرع يسهب في الرد على وصفِ الذهبيِّ ابنَ القيم بأنه "معجب برأيه" (سنورد رده لاحقاً)، ولو أن عبارة "سيئ العقل" وردت في كلام الذهبي؛ لكانت أولى بالذكر والرد والنقض من عبارة "معجب برأيه".
تنبيه: قد يقول قائل: إن الشوكاني إنما نقل عبارة ابن حجر من غير أن يعزوها إليه، فأقول: هذا احتمال، والاحتمال الآخر أنه نقلها عن أحد أصول "المعجم المختص"، ولكن سواء كان هذا أو ذاك؛ فإن عدم تعرضه لعبارة "سيئ العقل" دليلٌ على أنها لم تكن متداولة في زمانه، مع دواعي انتشارها وتداولها لما فيها من الإثارة أولاً، ثم من القبح الذي يستوجب الرد والنقض! مع حرص الشوكاني وحماسته على أن يذب عن ابن القيم كما سترى في موضع آخر من هذه المقالات.
د- محمد زاهد الكوثري (ت1371هـ):
قال في مقدمته على "السيف الصقيل" لتقي الدين السبكي (ص7):
"قال الذهبي في المعجم المختص عن ابن القيم هذا: عني بالحديث بمتونه وبعض رجاله، وكان يشتغل في الفقه ويجيد تقريره، وفي النحو ويدريه، وفي الأصلين. وقد حُبس مدة لإنكاره على شد الرحيل لزيارة قبر الخليل (إبراهيم عليه السلام) ثم تصدر للاشتغال ونشر العلم، لكنه معجب برأيه، جريء على الأمور".
وبالرغم من أن الكوثري ساق كلام الذهبي ليتخذ منه مطعناً في ابن القيم، ورغم أن عبارة "سيئ العقل" تحقق رغبته في هذا الطعن؛ إلا أنه لم يستخدمها؛ لأنها غير موجودة أصلاً في كلام الذهبي.
الثالث: لم يستخدم الإمام الذهبي عبارة "سيئ العقل" في كتبه جميعها، بل لم يستخدمها أحد ممن صنف في كتب الرجال والجرح والتعديل، مما يرجح القول ببطلان نسبتها إليه، وخصوصاً أنها تحمل من معاني السوء ما تحمله، فكلمة "سيئ" مصدرها السوء، وهو القبح، "ولذلك سُميت السيئة سيئة" كما قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة (3 /133)، وهذا يدفعنا إلى تنزيه الذهبي عن استخدام هذا الوصف القبيح بحق ابن القيم، وخصوصاً أنه أثنى عليه بما يتناقض مع بشاعة هذا الوصف، ومن ذلك ما قاله في "العبر في خبر من غبر" (4/ 155):
"الشيخ الإمام العلامة ذو الفنون... تفقه بشيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية، وكان من عيون أصحابه، وأفتى ودرّس وناظر وصنّف وأفاد، وحدّث عن شيخه التعبير وغيره، ومصنفاته سائرة مشهورة".
ولذا؛ قال الإمام ابن مفلح (ت884هـ) في "المقصد الأرشد" (2/ 385): "وقد أثنى عليه الذهبي ثناءً كثيراً".
فهل يسوغ بعد ذلك أن يصفَ الذهبيُّ ابنَ القيم بـ"سيئ العقل"؟! بل هل يسوغ لابن مفلح أن ينسبَ للذهبي بأنه يثني على ابن القيم "كثيراً" مع وقوفه على عبارة "سيئ العقل"؟! كلا وحاشا، وهو ما يدل على أن هذه العبارة مفتراة أصلاً.
ثانياً: قال المؤلف: "وهذا الاستبعاد بعيد (يقصد استبعاد عبارة "سيئ العقل") لما ورد بعده: (جريء على الأمور)؛ فهو المراد بـ(سيئ العقل)".
قلت: هذا من أعجب ما يمكن أن تراه من التعسف في التأويل، فهل الجرأة تساوي "سوء العقل"؟! صحيحٌ أن "سوء العقل" قد يكون أحد أسباب الجرأة، وقد يكون "حُسن العقل" سبباً لذلك أيضاً، ولا يمكن بحال أن يُساوى سوء العقل بالجرأة؛ فيُجعَلُ معناهما واحداً، وخصوصاً أنه وصفٌ لشخص ابن القيم، لا لفعلٍ عارضٍ أحدثه، ما يفيد الاستغراق والتكرار.
ثالثاً: قد يستغرب القارئ من إصرار الشيخ مشهور على إلصاق عبارة "سيئ العقل" بالذهبي، وتسويغ وصف ابن القيم بها.. ولتوضيح ذلك أقول: إن المؤلف ساق أقوالاً للذهبي يتهم فيها ابن تيمية بالحدة والشدة وعدم التلطف مع الخصوم، وانعدام نظره في مآلات ذلك كله على دعوته ومواقف العلماء منها.. فأراد أن يدفع التهمة عن ابن تيمية ويلصقها ببعض "تلاميذه" و"خواصه"، فكان ابن القيم أحد ضحايا هذه المحاماة غير الموفقة.. وكأنه يريد أن يقول "إن منهج ابن تيمية السلفي الذي نسير عليه؛ منهجٌ رقيق رفيق مع المخالفين، ليس فيه شدة ولا حدة ولا اندفاع غير منضبط، وإن الشدة والجرأة والحماس غير الرحيم ولا الحكيم؛ إنما هي أوصافٌ حقيقٌ بها بعض تلاميذ ابن تيمية، كابن القيم"، وكأنه يريد أن يقول أيضاً "إن منهجنا السلفي هو منهج ابن تيمية، وليس منهج ابن القيم؛ ذاك الحماسي المندفع المتطرف!!".
والحق أنه ليس ابن تيمية أولى بالذب عنه من ابن القيم، وكذا علماء المسلمين وأئمتهم جميعاً، لا نبرئ أحدهم على حساب الآخر بلا دليل، ونتأدب معهم، ونجتنب نعتهم بأوصاف قبيحة!
رابعاً: قول المؤلف: "وقد أشهر ابن القيم المنع من المسألة المومأ إليها (زيارة قبر نبي الله إبراهيم الخليل عليه السلام) في مجلس عام بنابلس، وكان بإمكانه السكوت، والمسألة مختلف فيها، وفيها قلاقل وبلابل، وعامة الناس لا يحتملون ذلك إلا بمقدمات وممهدات، ولا ندري! هل سلكها ابن القيم لما قرر المسألة أم لا؟".
قلت: ليت شعري! هل "السكوت" يدل دوماً على سداد الرأي ورجاحة العقل؟
وهل كل فقيه أو عالم يعلن عن قوله في مسألة خلافية يوصف بأنه "سيئ العقل"؟ إذن لم يبقَ عالمٌ إلا ويستحق هذا الوصف!!
وطالما أنك لا تدري هل سلك ابن القيم "المقدمات والممهدات" أم لم يسلكها، ولم تتمكن من الوقوف على تفاصيل وخلفيات ما حدث معه في نابلس؛ فكيف تستسيغ وصفه بأنه "سيئ العقل"؟!
نعم؛ ليس من الحكمة أن تُساق المسائل الخلافية على أنها الحق الذي لا يقبل الرد أو التشكيك، ولا من الحصافة أن تُثار هذه المسائل على المنابر أمام العامة دون "مقدمات وممهدات"، وليس يخفى ذلك على مثل ابن القيم رحمه الله تعالى، والقضية تقديرية على كل حال، فقد يخطئ في تقدير مآلاتها العالِمُ أو المفتي - كما إنه قد يصيب -، ولكنّ خطأه في ذلك لا يسوغ لنا أن ننتقص منه وننعته بأنه "سيئ العقل"، كيف إذا كان بمكانة ابن القيم رحمه الله؟!
ولا أدري! كيف يسوغ المؤلف لنفسه أن يُظهِرَ ابنَ القيم وكأنه شاب طائش، ومتحمسٌ جاهل، يُقْدم على الأمور من غير أن يقدر مآلاتها، ولا يوازن بين المصالح والمفاسد المترتبة عليها، ليسوّغ بعد ذلك وصمه بعبارة "سيئ العقل"، وهو الذي أجمع مترجموه على سعة فقهه، وتمام ورعه، ثم يأتي بعد ذلك من يصفه بما يستلزم خلوَّه من معرفة خير الخيرين ليأتيه، وشر الشرين ليجتنبه.
ويغنينا عن سوق تعداد مترجميه لمناقبه؛ قول المؤلف نفسه في مقدمته على "إعلام الموقعين" (ص73): "كتابنا هذا يؤكد بيقين أن ابن القيم فقيه النفس، وله اختيارات مذكورة في كتب المتأخرين، وأنه متفنن في العلم، وهذا يترجم ما ذكره غير واحد عنه بأنه يُحسن الفقه وغيره، قال الذهبي مثلاً عنه: (وكان يشتغل في الفقه ويجيد تقريره)، ونعته بـ(الفقيه الإمام المفتي المتفنن)، و(الإمام العلامة ذو الفنون)".
وقوله (ص75): "وقد أقر كبار العلماء من المفسرين والمحدثين والمحققين البارزين، والأتقياء الصالحين، سلفاً وخلفاً، بفضل شيخ الإسلام ابن القيم، ونبوغه، وتفوقه، وعبقريته في الذكاء، وسعة الاطلاع، والذاكرة الحادة، ودقة النظر، وقوة الاستنباط، وملكة الاجتهاد، وبما فيه من دواعي الإصلاح والتجديد والاجتهاد وأدواته، وحرية الفكر والعمل، وإصابة الرأي، واتباع الكتاب والسنة والتمسك بهما والاعتماد عليهما، وغيرها من الخصائص والميزات، كما اعترفوا بزهده وورعه وتقواه وتفانيه في الله، وإخلاصه وغيرته على دين الله، والحمية الدينية، وأشادوا بخدماته ووجهوا تحية تقدير واحترام إليه".
قلت: هم وجهوا له تحية تقدير واحترام، وأنت تجهد نفسه - في آخر قوليك - لإثبات أنه "سيئ العقل"، فماذا دهاك؟!
ولمزيد من التأكيد على ما لدى ابن القيم من الفقه والحكمة والورع وسداد الرأي؛ ما يمنع وصفه بـ"سيئ العقل"؛ يحسن أن نسوق قوله في "إعلام الموقعين" (4/ 340 بتحقيق مشهور): "فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشِّطْرنج؛ كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة، إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحبّ إلى الله ورسوله، كَرَمي النشَّاب وسباق الخيل ونحو ذلك..
وإذا رأيتَ الفسّاق قد اجتمعوا على لهو ولعب أو سماع مُكَاء وتَصْدِية؛ فإن نقلتهم عنه إلى طاعة الله فهو المراد، وإلا كان تركهم على ذلك خيراً من أن تفرغهم لما هو أعظم من ذلك، فكان ما هم فيه شاغلاً لهم عن ذلك..
وكما إذا كان الرجل مشتغلاً بكُتُب المُجون ونحوها، وخِفْتَ من نقله عنها انتقالَه إلى كتب البدع والضلال والسّحر؛ فَدَعْهُ وكتبَه الأولى..
وهذا باب واسع.. وسمعت شيخ الإِسلام ابن تيمية قدّس الله روحه ونوّر ضريحه يقول: مررت أنا وبعضُ أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم مَنْ كان معي، فأنكرتُ عليه، وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسَبي الذرية وأخذ الأموال؛ فَدَعْهم" اهـ، ومثله كثير منثور في كتبه رحمه الله.
وهذا الفقه السديد؛ تلقَّاه ابن القيم عن شيخه ابن تيمية، ملتزماً طريقته في العمل والدعوة، يقول الصفدي بحق ابن القيم في "أعيان العصر وأعوان النصر (4/ 368): "وكان يسلك طريق العلامة تقي الدين ابن تيمية في جميع أحوالِه ومقالاتِه التي تفرد بها، والوقوف عند نص أقواله".
والغريب أن المؤلف نفسه - الذي ربما لم يجد لابن القيم موقفاً يذمّه به سوى إشهاره مسألة الزيارة في مجلس عام بنابلس - أشهر بعض آرائه "الشاذة" في مجالس عامة، وتناقلها طلبته ونشروها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وقنوات اليوتيوب وتلغرام وغيرها، فأثارت فتناً مفرِّقة بين المؤمنين، وأفرحت الطغاة والمستبدين، كقوله إنه لا يحمل في قلبه محبة ولو بوزن ذرة للإخوان المسلمين، ونصحه أتباعه بعدم تزويج بناتهم لشباب جماعة الإخوان المسلمين بحجة أنه لا يجوز مخالطة المتحزب أو المتعصب لأن كلاهما مبتدع، وتمنِّيه بأن لا تقتل السلطات السعودية الشيخ سلمان العودة؛ فقط "كي لا تصنع منه بطلاً جديداً"!!
خامساً: قول المؤلف: "ويتأكد لك صحة مجمل كلام الذهبي إذا علمتَ أن ابن تيمية تأذى من حماسة ابن القيم في إشهار بعض اختياراته، ولذا قال تقي الدين الفاسي إيضاح بغية أهل البصارة في ذيل الإشارة (ص249-250): (تفقه بالشيخ تقي الدين ابن تيمية، وأخذ عنه فنوناً من العلم، وكان من جملة أصحابه، وتأذى ابن تيمية بسببه؛ لأنه أعلن عن ابن تيمية بكثير من المسائل المنتقدة عليه، وأوذي هو بسببها أيضاً)".
عليه عدة ملاحظ:
الأول: هذه "الحماسة" إنما تعلّمها ابن القيم من شيخه ابن تيمية، فسيرة شيخ الإسلام مليئة بالمواقف "الحماسية"، وهذا لا يخفى على طلاب العلم، ولو أردنا أن نستعرض هذه المواقف لطالت المقالة وخرجت عن المقصود، ولكني أكتفي بموقف واحد، وهو ما ذكره الإمام ابن عبدالهادي في "العقود الدرية" (302-304) من أن ابن تيمية تحدث في مسألة أمام العامة في "جامع مصر" فتعصّبوا عليه وتفرّدوا به وضربوه، فأراد بعض أصحابه أن يعاقبوهم، فأبى شيخ الإسلام ذلك، ثم سألهم عن وقت صلاة العصر، فقيل له: إنه قريب. فقام قاصداً إلى الجامع نفسه لصلاة العصر.
فقيل له: يا سيدي! قد تواصوا عليك ليقتلوك، وفي الجامع قد يتمكّنون منك بخلاف غيره، فصلِّ حيث كان.
فأبى إلا المضي إلى الجامع والصلاة فيه. فخرج وتبعه خلق كثير لا يرجعون عنه، فضاقت الطريق بالناس.
فقال له من كان قريباً منه: ادخل إلى هذا المسجد - مسجد في الطريق -، واقعد فيه حتى يخفّ الناس لئلا يموت أحدٌ من الزحام، فدخل ولم يجلس فيه، ووقف وأنا معه، فلمّا خفّ الناس خرج يطلب الجامع العتيق، فمرّ في طريقه على قومٍ يلعبون بالشطرنج على مسطبة بعض حوانيت الحدادين، فنفَضَ الرقعة وقلَبَها، فبُهت الذي يلعبُ بها والناسُ مِن فعله ذلك.
ثم مشى قاصداً للجامع، والناس يقولون: هنا يقتلونه.. الساعةَ يقتلونه.
فدخل الجامع، ودخلنا معه، فصلّى ركعتين، فلما سلّم منها أذّن المؤذّن بالعصر، فصلّى العصر، ثم افتتح بقراءة "الحمد لله رب العالمين"، ثم تكلّم في المسألة التي كانت الفتنةُ بسببها إلى أذان المغرب.
فخرجَ أتباعُ خصومه وهم يقولون: واللهِ لقد كنا غالطين في هذا الرجل لقيامنا عليه.. واللهِ إن الذي يقوله هذا هو الحق، ولو تكلّم بغير الحق لم نُمْهِلْهُ إلى أن يسكت، بل كنا نبادر إلى قتله، ولو كان هذا يُبطن خلاف ما يُظهر لم يُخفِ علينا. وصاروا فرقتين يخاصمُ بعضُهم بعضاً.
الثاني: ما يُقال في "الجرأة" يُقال في "الحماسة"، فليست هي مذمومة في ذاتها، ولا يلزم من اتصاف أحدهم بها أن يكون "سيئ العقل"، وفي موقف ابن تيمية الذي ذكرناه آنفاً من الجرأة ما يندر وجوده في علماء عصرنا، فهل يستحق عند المؤلف أن يوصَف بأنه "سيئ العقل" أيضاً؟!
ومما يُذكر في جرأته - رحمه الله - ما جاء في "الأعلام العلية" للبزار (ص72-73) أنه "حين وشي بِه إلى السلطان المعظم الملك الناصر محمد؛ أحضره بين يديه. قال: فكان من جملة كلامه: إنني أُخبرت انك قد أطاعك الناس، وأن في نفسك أخذَ المُلك. فلم يكترث به ابن تيمية، بل قال له بنفس مطمئنة، وقلب ثابت، وصوت عالٍ سمعه كثيرٌ ممن حضر: أنا أفعل ذلك؟ واللهِ إن مُلكَكَ ومُلكَ المغول لا يساوي عندي فلسين. فتبسّم السلطان لذلك، وأجابه في مقابلته بما أوقع الله له في قلبه من الهيبة العظيمة: إنك واللهِ لصادق، وإن الذي وشى بك إليّ كاذب.
ومما قاله المؤلف في كتابه "الأغاليط" (ص936-937): "هناك مواقف جزئية من الفتنة العامة التي مرّت بابن تيمية مسجَّلة بقلمه، ولم أجدها عند غيره، وتظهر فيها حدَّته وشدَّته وجرأته، وهي مما تُحمَدُ ولا تُذم"!
قلت: كذا قال في حدّة ابن تيمية وشدّته وجرأته؛ فما باله حاد عن الجادة حينما تعلّق الأمر بابن القيم؟!
ورحم الله الإمام ابن حجر حينما قال في "الدرر الكامنة" (5/ 138) مادحاً ابن القيم: "وكان جريء الجنان، واسع العلم، عارفاً بالخلاف ومذاهب السلف".
وبذلك وصفه الصفدي (ت764هـ) فقال في "أعيان العصر" (4/ 367-368): "وكان جريء الجنان، ثابت الجأش، لا يقعقع له بالشنان، وله إقدام وتمكن أقدام، وحظه موفور، وقبوله كل ذنب معه مغفور".
الثالث: مَن قال إن ابن تيمية لا يريد من تلاميذه أن يشهروا اختياراته؟! وأن لا يكونوا جريئين مثله؟ ولماذا هم تلاميذه أصلاً؟! وهل يستحي أو يخاف ابن تيمية من أن يشهر هو اختياراته؟! وهل له اختيارات سرية لا يريد من تلاميذه أن يشهروها؟! مَن يعرف ابن تيمية جيداً لا يتفوه بهذا الكلام إطلاقاً..
وأكتفي بمثال واحد على ذلك، وهي مسألة الحلف بالطلاق، التي نصحه القاضي شمس الدين بن مسلم الحنبلي أن يدَع الإفتاء بها، فقبل نصيحته، وبعد ذلك بأسبوعين صدر مرسوم من السلطان بالمنع من الفتوى في هذه المسألة، وبعدها بسنة وعدة أشهر عاد ابن تيمية إلى الإفتاء بها، فلما رُوجع وعوتب في ذلك قال: "لا يسعني كتمان العلم"، وعلى إثرها حُبس في سجن القلعة بدمشق لمدة خمسة أشهر وثمانية عشر يوماً. انظر "العقود الدرية" (ص341- 342).
فهذا هو اختيار ابن تيمية، وهذه جرأته وحماسته، وهو الذي يُشهر قوله ويقول: "لا يسعني كتمان العلم".. أيُغضِبُه أو يَسوؤه أن يُشهر تلاميذُه اختياراتِه الفقهية؟! وهل يكون جزاءُ من يُشهر هذه الاختيار أن يوصَفَ بأنه "سيئ العقل"؟!
ورحم الله الإمام الذهبي القائل في "معجمه المختص بالمحدثين" (ص26) أثناء ترجمته لابن تيمية: "سُجن غير مرّة ليفتر عن خصومه، ويُقصِرَ عن بسطِ لسانه وقلمه، وهو لا يرجعُ ولا يَلوي على ناصح، إلى أن توفي معتقلاً بقلعة دمشق في العشرين من ذي القعدة سنة ثمانٍ وعشرين وسبع مئة".
سادساً: أما مسألة زيارة قبور الأنبياء التي سُجن لأجلها ابنُ تيمية سنة 726هـ حتى وافاه الأجل؛ فهي مشهورة عنه من قبل أن يتعرف عليه ابنُ القيم ويلازمه، فقد قال ابن عبدالهادي في "طبقات علماء الحديث" (4/ 279): "ولم يزل كذلك إلى أن ظفروا له بجواب يتعلَّق بمسألة شَدِّ الرِّحال إلى قبور الأنبياء والصالحين؛ كان قد أجاب به من نحو عشرين سنة"، وفي "العقود الدرية" لابن عبدالهادي أيضاً (ص346-347) ما يفيد بأن فتواه هذه المسألة كانت من نحو سبع عشرة سنة، ولو أخذنا بهذا القول الأخير احتياطا؛ فستكون فتوى ابن تيمية في مسألة الزيارة حوالي سنة 709هـ، وقد اتفقت كلمة النقلة على أن تاريخ اللقاء بين ابن تيمية وابن القيم كان منذ سنة 712هـ، كما قال الشيخ بكر أبو زيد في كتابه "ابن قيم الجوزية.. حياته آثاره موارده" (ص130).
فلو صح أن يُقال إن أحدهما تأذى بسبب الآخر؛ فالصواب أن يُقال إن ابن القيم هو من تأذى بسبب ابن تيمية، فالآراء التي سُجن من أجلها وضُرب وأوذي؛ هي جميعها آراء مشهورة لشيخه ابن تيمية، وهي أربعة ذكرها الشيخ بكر أبو زيد (ص69-71) الأولى مسألة "الطلاق الثلاث بلفظ واحد"، والثانية فتواه بـ"جواز المسابقة بغير محلل"، والثالثة "إنكاره شد الرحال إلى قبر الخليل"، والرابعة "مسألة الشفاعة والتوسل بالأنبياء".
ولكن الحديث عن تأذي أحدهما بالآخر لغوٌ من القول؛ فكلاهما - رحمهما الله تعالى - يرفضان كتمان العلم ومسائلِه، ولا يأبهان بأذية تصيبهما جراء ذلك، فهما على طريقة واحدة، وكلاهما أيضا يملكان من الفقه والحكمة والورع؛ ما يمكنهما من تقدير المصالح والمفاسد، واعتبار مآلات الأفعال، ويدركان ما يمكن أن يتعرضا له من أذى نتيجة الجهر بآرائهما في عالم متعصب!
أما "سيئ العقل" فهو الذي يحبسهما لمجرد تبنيهما قولاً فقهياً محتملاً، وإنْ خالف قول الجمهور، ولو أردنا أن نحبس كل من خالف الجمهور؛ لما تبقى عالمٌ خارج السجن!
ورحم الله ابن حجر العسقلاني القائل في تقريظه على "الرد الوافر" (ص15): "ولو لم يكن للشيخ تقي الدين (ابن تيمية) من المناقب إِلا تلميذه الشهير الشيخ شمس الدين ابن قيم الجوزية، صاحب التصانيف النافعة السارة التي انتفع بها الموافقُ والمخالف؛ لكان غايةً في الدلالة على عظيمِ منزلته".
سابعاً: أورد المؤلف وصف الذهبي لابن القيم بأنه "معجب برأيه" من غير أن يرد عليه، بل يُفهم من كلامه أنه يقرّه على ذلك، ولا غرابة؛ فقد أقر وصفَ "سيئ العقل" (بمجمله) على حد تعبيره!
ومع أن قول الذهبي "معجب برأيه" من كلام الأقران بعضهم ببعض، والذي أكد الذهبي غير مرة أنه حقيق بأن "يُطوى ولا يُروى"؛ إلا أن الإمام الشوكاني لم يفوّته دون تعقيب، فقد قال في "البدر الطالع" (2/ 143-144): " بل كَان متقيداً بالأدلة الصحيحة، مُعجَباً بالعمل بها، غيرَ مُعوِّلٍ على الرأي، صادعاً بِالْحقّ، لا يحابي فيه أحداً، ونعمت الجرأة".